“ياسمين الخطيب” تفضح مهازل “جواز الصالونات” بمقالة : “احضن وبوسها ياللي دفعت فلوسها”

بقلم الاعلامية – ياسمين الخطيب

تعالت أصوات الزغاريد والتهاني، وطاف المضيفون بكاسات الشربات، وصواني الشوكولاتة، وتطوعت أم العروس مفاخرة، بإخبار المهنئات بالصداق المسمى بين العريس وأبو العروس، كما تطوعت أيضًا بإخبارهن بقيمة مؤخر الصداق، وقيمة الشبكة، ووجهة العروسين في رحلة شهر العسل، وتكلفتها!

وداعبت إحدى الصديقات العروس بغنائها الأغنية الريفية الشهيرة: “احضن وبوسها ياللي دفعت فلوسها”!

تلك الأغنية التي تختصر في كلماتها البسيطة السخيفة، قواعد سوق النخاسة المسمى في مجتمعنا ظلمًا وزورًا (زواج)، حيث تُباع العروس لمن يدفع أكثر، بينما يتبجح أهلها بترديد الجملة الكلاسيكية : (إحنا بنشتري راجل)، وفي الحقيقة أغلبهم (بيبيع ويشتري في الراجل) الذي لا يملك إلا قلبًا مُحبًّا، ووظيفة على قده، وشقه إيجار جديد!

توجهت إلى طنط “زيزي” أم العروس، هنأتها وقبلتها، فضغطت على يدي وهي تدعو لي بإخلاص ومحبة صادقة عمرها عشرون عامًا هي عمر صداقتي بابنتها:

“ربنا يفرحني بيكي قريب.. وتبطلي بقى خيبة وهبل”.

تذكرت يوم قالت لي الجملة الأخيرة ذاتها منذ بضعة أعوام وهي تعنفني وتلومني، لما أخبرتها أني اخترت شبكة متواضعة، ليس فقط التزامًا بعهد قطعته على نفسي بعدم ارتداء أو اقتناء الماس أو الذهب، وإنما أيضًا إيمانًا مني أن الشبكة هدية، ويُخجلني أن أختار هديتي، فتعمدت أن أؤكد باختياري على رمزية قيمتها التي لا تكمن في حجم الماسة المتوِّجة لخاتمها، وإنما في حجم الحب الذي يحمله لي قلب مُقدمها، كما رفضت أن أكتب في قسيمة زواجي “مقدم أو مؤخر”، فقد حسمت الموقف الذي توتر بإصرار العريس، ونُصح المأذون ودهشة الحاضرين، بقولي : “لا أريد إلا خمسين قرشا”، وزاد المأذون عجبًا أنه لما سأل سؤاله الكلاسيكي: “أين وكيل العروس؟” أجبته: “أنا وكيلة نفسي” ثم وضعت يدي في يد العريس تحت المنديل الأبيض وقلت له: “زوجتك نفسي” وأنا مطمئنة لما أفعل.

وبعد أعوام لم تطل، هاتفتني أم صديقتي نفسها تطمئن علىَّ بعدما علمت بأمر طلاقي، سألتني قلقة: “إوعي تكوني سبتي حقك”، فقلت لها:
“أخذت كل شيء.. كرامتي كاملة غير منقوصة”.

هذا الكلام قد لا يوافق هوى الكثيرات من مثيلات “طنط زيزي”، ممن يعتقدن أن العروس يعلو قدرها وتعظم محبتها في قلب عريسها، بعِظم المبلغ المدفوع فيها -وليس لها- رغم أن قيمتها بالنسبة له إذا أراد تطليقها، لن تتخطى الرقم المحدد في الخانة المخصصة لمؤخر الصداق بقسيمة زواجها، علمًا بأنها قد تلقى من قبيح صفاته وسوء معاشرته، ما قد يدفعها إلى التنازل له عن مؤخرها مقابل تطليقه له.

المعيار إذن هو الحب والمودة والرحمة، وليس المؤخر والمقدم والشبكة، هذا النوع من الحب الخالص المتوج بالرضا، الذي يفرز طاقة هائلة من البهجة تغشى المارة على كورنيش النيل، كلما صادفهم عروسين على قد حالهم، يحيط بهما مجموعة صغيرة من الأحبة، وسعادة ربما يفتقدها عروسان آخران يرقصان على الجهة المقابلة في إحدى قاعات (الفور سيزون)، في فرح يحييه “عمرو دياب” و”دينا”، حيث البوفيهات عامرة بما يكفي لإشباع ألف أسرة فقيرة، بينما يكفي ثمن فستان العروس لتطوير حي عشوائي!

والحقيقة أني لا أعلم متى ولا كيف تطورت تقاليد الأفراح لتصبح بهذا البذخ، بل إنني لا أعلم كيف تطورت تقاليد الزواج نفسه لتصبح بهذه الكُلفة، وقد كانت في ما مضى مُلزمة لأبناء القصور فقط، فالمهر في الإسلام ليس شرطًا في عقد الزواج، ولا ركنًا من أركانه عند جمهور الفقهاء، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، لذلك فإن عدم تسمية المهر أو تحديده في عقد الزواج لا يؤثر على صحة العقد، مما يعني أنه لا فرق عند الله بين من دفع لعروسه خمسين قرشًا ومن دفع لغيرها 50 مليونًا إلا بالتقوى، وقد ورد في سورة النور “إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ “، كما ينسب البعض لنبي الإسلام قول: “تزوجوا فقراء يغنكم الله”، وهو قول يطابق في معناه الآية السابق ذكرها وإن اختلف معظم الفقهاء على نسبته لنبي الإسلام.

وفي المسيحية أيضًا لا يُعد المهر من أركان الزواج، فيجوز أن يكونَ الزواجُ بمهرٍ أو بغير مهرٍ، أما في اليهودية فيعتبر المهر ركنًا من أركان الزواج في معظم الطوائف، ولا يثبت الزواج بدونه، لذا يُحرم الدخول بالمرأة قبل دفعه.

أما في زمن أجدادنا الفراعنة حيث كانت الأُنثى ربة مقدسة، فقد اتخذ المهر شكلاً أكثر رقيًّا حتى في اسمه، فكان يسمى (هدية الزوجة)، ومعظم ما ورد عن المهور بالعقود كان يخص معاش المرأة أو الأبناء في حال تطليقها، كما كان يشير ميثاق الزواج إلى أن المساهمات المادية كانت مشتركة، وفي بعض الأحيان كانت المرأة هي التي تقدم المال إذا كانت ميسورة الحال.

وقد استوقفني كثيرا نص عقد زواج مصري قديم يقول فيه الزوج:

“لقد اخترتك زوجة لي وأعطيتك هذه الهبات، وإذا طلقتك، إما لأني أكرهك أو لأني أريد امرأة أخرى غيرك، سوف أعطيك ثلث ما اكتسبناه معًا ابتداء من اليوم، والأطفال الذين سوف تهبينهم لي، هم ورثة كل ما أملك، وكل ما أملك وما سوف أحصل عليه يضمن ذلك الوعد”.

وبعيدًا عن موضوع تقسيم ما اكتسبه الزوجان معًا خلال أعوام الزواج، في حالة الطلاق، وهو ما خلص إليه الغربيون كقسمة عادلة يصفها بعضنا بقمة التحضر، رغم أن أجدادنا سبقوهم إلى ذلك، فإني أرى الرقي كله هذا العهد، الذي يقر فيه الرجل بكل شجاعة وصدق أنه قد يكره شريكته ذات يوم، أو يحب غيرها، ثم يتعهد أنه في حال حدوث ذلك سوف يلتزم بمصارحتها وتسريحها بإحسان كما سوف يلتزم بإعطاء أبنائهما حقوقهم كاملة.. لن يتركها كالمعلقة ويذهب ليتزوج مثنى وثلاث ورباع، بينما تشقى هي داخل قاعات محكمة الأسرة، لتلزمه بحقوق أبنائها، وفي أغلب الأحوال تضطر للتنازل عن كل حقوقها المادية لتحصل على حريتها، بعد سنوات طوال من المرمطة والقهر.

في هذه الأحوال لا ينفع “مقدم ولا مؤخر”، ولا يُجدي عقد الزواج نفعًا إذا لم يعتبره الطرفان عهدًا لا عقدًا، وكل ثمين حصلت عليه الزوجة من زوجها يصبح بلا قيمة إذا لم تطمع من البداية في الحصول على أغلى ما لديه.. قلبه.

تنبهت إلى الحفل الذي أشرف على الانتهاء، وإلى جانبي الصديقة الغبية، تردد نفس الأغنية الغبية فنهرتها:

“كفاية قرف.. بوسها ودفعت فلوسها! غني (أهو جالك يا به .. ريح بالك يا به) ذلك أفضل جدا”.