اعتقال “أبو الفتوح” .. و إغلاق البوابة الخلفية للإخوان

عبد المنعم أبو الفتوح

رغم كل التقلّبات التي مرت به وبجماعته، نجح عبد المنعم أبو الفتوح أن يكون رجل الإخوان الأول، وحين أعلنت قوات الأمن المصرية إلقاء القبض عليه، الأربعاء 15 شباط (فبراير) 2018، هو و6 من أعضاء حزبه، انكشف بما لا يدع مجالاً للشك، كيف قام بعملية الإحياء الثاني للتنظيم، وكيف ظهر الآن بشكل لافت ليواصل مخططه الجديد للقيام بعملية إحياء ثالثة، عن طريق البوابة الخلفية للجماعة، حزب “مصر القوية”.

تجاوزات سابقة بالجملة

لم يقبض الأمن المصري على أبو الفتوح، رغم احتضان حزب الله اللبناني له في مؤتمر عقده يوم 20‏ /07/2016 تحت عنوان “دعم المقاومة ورفض تصنيفها بالإرهاب”، وساعتها انتقد الأنظمة العربية التي وصفت حزب الله بالإرهاب، وقال في كلمته: “ليقل النظام العربي الرسمي ما شاء، فحزب الله وذراعه العسكري المقاومة الإسلامية في لبنان ليست منظمة إرهابية؛ بل هو حركة مقاومة شعبية”.
كما لم يتعرض أبو الفتوح للتوقيف، رغم ذهابه إلى الدوحة، ثم انتقاله منها إلى لندن، ومقابلته إبراهيم منير القيادي بالتنظيم الدولي للإخوان، والاتفاق معه على الترشح للانتخابات، وإحياء التنظيم مرة أخرى، وعاد ولكنه أعلن بشكل رسمي عدم مشاركته في الانتخابات الرئاسية المصرية بحجة أن المناخ العام لا يسمح له بالمشاركة.

أبو الفتوح، في حوار صحافي عقب عودته من لندن، أكد بما لا يدع مجالاً للشك إخوانيته المتأصلة؛ حيث دعا مرشد الجماعة محمد بديع إلى إعلان اعتزال العمل السياسي أثناء جلسة محاكمته، على أن يستمر الإخوان في العمل الاجتماعي والدعوي فقط حتى يتم الحفاظ على التنظيم، ولا يواصل خسائره الفادحة التي قربت من نهايته التاريخية، مشيراً إلى أنّ المرشد الأسبق، عمر التلمساني، لو كان ما يزال على رأس التنظيم لاتخذ هذه الخطوة دون أدنى تفكير.
عقد أبو الفتوح أكثر من رحلة في الآونة الأخيرة لكل من تركيا ولندن، وجلس مع قيادات بارزة في التنظيم الدولي للإخوان، من أجل الحصول على دعم مالي لحزبه، ولم يقبض عليه أيضاً.

في يوم 22‏/04‏/2017 اعترف أبو الفتوح في بيان مقتضب، أنه سافر إلى لندن بدعوة من معهد “تشاتام هاوس”، للمشاركة في ندوة عن الإسلام والديمقراطية، وأنّه التقى الغنوشي، وإبراهيم منير، ثم سافر إلى جنوب أفريقيا، وأقام في غوهانسبرغ 5 أيام، ثم اتجه لمدينة ستراتفورد شرق لندن، بدعوة من مكتب التنظيم الدولي للإخوان في العاصمة البريطانية، وتحديداً من إبراهيم منير.
كان من الواضح حين تم إلقاء القبض على أبو الفتوح هذه المرة، أن هناك أسباباً خفية وراء ذلك، وهو بالفعل ما أكده مصدر أمني أن القبض عليه جاء لاتصاله بجماعة الإخوان، و5 آخرين من أعضاء المكتب السياسي للحزب، بعد الاتفاق مع الجماعة على إحياء التنظيم في شكل جديد، وتلقيهم أموالاً في سبيل ذلك، وليس بسبب حديثه في قناة الجزيرة القطرية، وتحريضه على جيش مصر.

رجل الإخوان الأول

عبد المنعم أبو الفتوح عبد الهادي، وشهرته عبد المنعم أبو الفتوح، ولد في حي الملك الصالح بمصر القديمة في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1951، وانضم إلى جماعة الإخوان العام 1971 والتزم بتقاليد الجماعة، وكان أميراً للجماعة الإسلامية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهو من ربط تلك الجماعة بجماعة الإخوان لتصبح الجماعة الإسلامية بمثابة تنظيم سري جديد لها.

يعتبر أبو الفتوح من المساهمين في إحياء التنظيم في السبعينيات، لكنه في التسعينيات اختلف هو والقيادي الإخواني خيرت الشاطر، ما دفع الأخير لإقالته، ليخرج ويؤسس حزب مصر القوية، ويقول في تصريحات صحفية “أنا أقرب الإخوان لفكر البنا، وأحق منهم بقيادة الجماعة”.
لم يترك أبو الفتوح الجماعة لكنها هي من تركته، واستُبعد منها بسبب تنافسه الشرس مع خيرت الشاطر، وانشقاقه عنهم يرجع إلى تفضيل الجماعة للشاطر على حسابه، لما كان يتمتع به الأخير من المال والنفوذ معتبرينه الأفضل لتمويل الجماعة وتقوية نفوذها في تلك المرحلة.

وهذا ما أكده الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية القيادي الإخواني السابق ثروت الخرباوي، في مداخلة هاتفية اليوم لبرنامج “90 دقيقة” المذاع عبر قناة المحور، بأن أبو الفتوح كان يحلم بأن يكون مرشداً للجماعة، ولكن حدث خلاف وتمت الإطاحة به عبر انقلاب داخلي عليه، مشيراً إلى أن القيادي الإخواني أسامة رسلان، اتهم أبو الفتوح باختلاس أموال من لجنة الإغاثة التابعة للجماعة.
وأضاف أنّ عدداً من أصدقاء عبد المنعم أبو الفتوح نصحوه بعدم الهجوم على الدولة المصرية؛ لأنها في حالة حرب، لكنه لم يستجب لذلك مطلقاً.

تناقضات لعيون الجماعة

هاجم أبوالفتوح، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وفي ذات الوقت دعا مصر وتركيا للحوار حول ترسيم الحدود البحرية، بسبب عدم اعتراف تركيا بالاتفاق المبرم بين مصر وقبرص العام 2013.

في الواقعة الأولى يهاجم بشدة تعيين الحدود، التي من وجهة نظره أرض مصرية لا يمكن التنازل عنها، وفي الواقعة الثانية دعا برفق لإجراء حوار حول التنازل عن حق مصري يمكن الجدال فيه، بسبب علاقته بتركيا.
وظهر منذ أيام على شاشة قناة الجزيرة القطرية، وتبنى مصالحة بين جماعة الإخوان والدولة المصرية، وإعادة تجميل وجه الجماعة، حتى يتسنى لها العودة مرة أخرى للحياة السياسية.

في قبضة الأجهزة الأمنية

وكانت نيابة أمن الدولة العليا قررت حبس عبدالمنعم أبوالفتوح، ١٥ يوماً على ذمة التحقيق بناء على البلاغات المقدمة ضده، بتهم الاتصال مع تنظيم الإخوان، والتحريض على قلب نظام الحكم والعمل ضد مؤسسات الدولة.
وقد ألقي القبض على عدد من أعضاء حزب أبو الفتوح، وتبين للمحققين أن قنوات الإخوان وظّفت عدداً منهم، من أجل بث برامج تشير إلى تردي الوضع الاقتصادي في مصر.
كانت الأجهزة الأمنية قد ضبطت في شهر أيار (مايو) الماضي أجهزة بث من أحد المصريين القادمين من تركيا، واعترف بحصوله عليها من أحد المعدين في القناة.

وأشار “الخرباوي” في تصريح لصحيفة “أخبار اليوم”، إلى أنّ السبب الرئيسي في توقيف أبو الفتوح هو حزبه “مصر القوية”، خاصة بعد القبض على عضو رئيسي في الحزب بتهمة “انضمامه لجماعة إرهابية”، ومن هنا بدأ في محاولة تشويه مصر في الخارج والتحدث عن النظام، حتى إذا تم القبض عليه غدا بطلاً في نظر الرأي العام.
ولفت الخرباوي، إلى أن الدور المنتظر لأبو الفتوح في المرحلة المقبلة كان يتمثل في “تبييض الوجه القبيح للجماعة الإرهابية، ومحاولة إعادة كسب ثقة المصريين في فيها مرة أخرى، من خلال مجموعة من الإعلاميين والسياسيين المنتمين إلى الإخوان”.
من هنا تبين أنه عقب عزل الإخوان من الحكم في مصر، وانتهاء التنظيم شعبوياً، أصبح أبو الفتوح رجل الجماعة الأول، فبدأ في استكمال مسيرة الإخوان في العمل والانتشار والتمدد، وعمد إلى تشويه سمعة مصر في الخارج، والتقليل من شأن المشروعات القومية العملاقة التي تبنى في مصر، مع حرصه على الارتباط الوثيق بالجماعة في الخارج، والعمل كبوابة خلفية لها، وثبوت ذلك بعد استكمال التحريات كان هو السبب الرئيسي في القبض عليه، رغم وجود ترجيحات، أنه من الممكن الإفراج عنه احتياطياً، بعد أن أفرجوا في صباح اليوم عن أتباع حزبه المقبوض عليهم.

المصدر : حفريات